محمد حسين علي الصغير
86
مجاز القرآن خصايصه الفنية وبلاغته العربية
لا لأنها تستعمل المجاز ، فكثير من اللغات تستعمل المجاز كما تستعمله اللغة العربية ، ولكن اللغة العربية تسمى لغة المجاز لأنها تجاوزت بتعبيرات المجاز حدود الصور المحسوسة إلى المعاني المجردة ، فيستمع العربي إلى التشبيه فلا يشغل ذهنه بأشكاله المحسوسة إلا ريثما ينتقل منها إلى المقصود من معناه » « 1 » . لذلك نميل إلى أن اللغة العربية - دون سواها من لغات العالم - تتميز بخصائص بلاغية ، والبلاغة العربية - وهي الأصل في البلاغة العالمية دون تأثير إغريقي أو أجنبي - تتمتع بخصائص فنية ، والمجاز في صيغته البيانية يحتضن كلا من الخصائص في اللغة والبلاغة معا ، لأن أصل البلاغة المجاز ، واللغة العربية لغة المجاز ، فصغروية المقارنة بكبرويتها أوصلت إلى هذه النتيجة البديهية ضرورة كما هو تعبير المناطقة في استخلاص الحقائق وبرمجتها منطقيا في شؤون الاستدلال قياسيا أو بديهيا . ولا غرابة في هذا الملحظ الاستقرائي لطبيعة الأشياء ، فالمجاز فن أصيل في لغة العرب ، له مقاييسه الفنية ، ومعاييره القولية عند العرب بخاصة ، لأنه يعنى بإرادة المعاني المختلفة ، وهم يميلون إلى هذا الموروث الحضاري ، وهو يعنى أيضا بتقليب وجوه اللفظ الواحد لا في الأشباه والنظائر بل في المعاني الثانوية ، فينتقل باللفظ من وضعه الأصلي المحدد له مركزيا ، إلى وضع جديد طارئ عليه تجدده العلاقات الفنية ، وهذا من أهم الخصائص التي يمتاز بها المجاز ويؤهله للتوسع في اللغة ، وذلك بإضافة المعاني الجديدة إلى نفس اللغة بنفس الألفاظ مرتبطة بأصول بلاغية لا تخرجها عن دلالتها الأولى في جذورها اللغوية في أصل الوضع ، بل تضيفها إليها توسعا بإرادة المعاني الثانوية هذه ، ولا تكون هذه الإرادة إلا بمناسبة ، ولا المعاني المستحدثة إلا بقرينة ، وبذلك يتحدد الاستعمال المجازي وتتحدد دلالته أيضا بضوابط أساسية تدفع عنه النبو والارتجال ، وتحفظه من الأغراب والابتعاد عن الذائقة الفطرية عند المتلقي ، فقد يكون القمر وجها ، والجبل وقارا ، والغصن اعتدالا ، والبان قواما ، ولكن لا
--> ( 1 ) عباس محمود العقاد ، اللغة الشاعرة : 40 .